ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
62
الوشى المرقوم في حل المنظوم
بل ويزيد تعذيبه نزوله أرض الخابور التي يكاد يقول في وصفه لها : إنها قطعة من جهنم ، ويقرر بعد وصوله سنجار أن يبقى فيها غريبا ، ويقول إنه أصدر هذا الكتاب : « في الخميس الرابع والعشرين من شعبان » « 1 » . هذه هي حال ضياء الدين بن الأثير بعد تهريبه خارج دمشق في صندوق ، ومواصلته رحلة الهرب وحيدا شريدا يكابد الأهوال ، ويمر بالجبال والقفار وحده ، بلا رفيق يخفف عنه وطأة الرحلة وعذابها . إذن كيف يهرب ابن الأثير ؟ . بل كيف نصدق ما قاله العماد الأصفهاني ، وما نقله عنه النقلة دون تفنيد لادعاء سرقة ابن الأثير حصاد دمشق وأعمالها ثلاث سنين ؟ ! . واتّفق مع د . نوري حمودى القيسي وهلال ناجى في مقدمة نشرتهما لرسائل ابن الأثير في قولهما : « ومثل هذا الاستنتاج المنطقي يرد التهمة عن ابن الأثير . وهو يكشف أن إخراج الأفضل من الشام كان مقررا بين العادل والعزيز . أما أقوال العماد الكاتب فقد ذهب ابن واصل وابن الفرات إلى أنها تقيّة من العادل ، ونقول : إن اتهامات العماد لابن الأثير موضع شبهة ، ولا يمكن التسليم بها بسبب الخصومة بينهما ، فقد أورد ابن واصل ما مثاله : قال عماد الدين : « وجاءني الخبر أن وزيره قد قرر عنده عند قرب العساكر من البلد نهب دورى وأملاكى . فاستأذنت الملك العزيز في الدخول إلى البلد ، فأذن لي على كراهية . فلما دخلت البلد اجتمعت بالملك الأفضل ، وقلت له القول الأفضل ، فأبى أن يسمع أو أن يقبل ، وحرمت في حظىّ الثاني والأول » « 2 » . ومن مجانبة الصواب قول د . عرفة حلمى عباس : « وهرب ضياء الدين مختفيا خشية بطش العادل به . . . وتنتهى إلى حد كبير الآمال العريضة التي كان يتمناها ضياء الدين بن الأثير لنفسه كرجل دولة له شأنه ، ولم يمض على مجيئه إلى دمشق من بلده الموصل مهاجرا أكثر من أربع سنوات » « 3 » .
--> ( 1 ) السابق ص 101 . ( 2 ) نشرة القيسي - ناجى 1 / 14 و 15 . ( 3 ) ضياء الدين بن الأثير : دراسة في تراثه النثرى ص 11 .